الاثنين، 7 أكتوبر 2013



في سابقة قضائية .. صلح رام الله تحيل نص مادة في قانون العقوبات إلى المحكمة الدستورية لمخالفته الحقوق والحريات


رام الله - دنيا الوطن
قررت اليوم محكمة صلح رام الله هيئة القاضي أحمد الأشقر في الدعوى الجزائية رقم 3438/2013 إحالة المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 إلى المحكمة العليا بصفتها الدستورية للنظر في دستورية هذه المادة من حيث مخالفتها لأحكام المواد 11 و20 و15 و14 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003.

ورأت المحكمة في قرارها أنّ ما ورد في هذا النص "بتجريم كل من وجد متجولاً في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر"، يودي إلى انتهاك الحق في الحرية الشخصية، والحق في التنقل، والحق في افتراض البراءة، ويخالف المبدأ الدستوري القاضي بأنّ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص.

وبيّنت المحكمة  أنّ غموض هذا النص القانوني يجعل منه أداة لقمع الحريات، تستخدمه السلطة العامة متى شاءت، وتتركه متى شاءت، دون رقيب أو حسيب، وأشارت المحكمة إلى أن استخدام التعابير الفضفاضة في النص التجريمي يجعل من الفعل المجرم بموجبه يتسم بعدم الوضوح، بحيث أن الشخص العادي يكون عليه لزاما أن يتكهن بمعناه، ولا يستطيع أن يحدد مجالات تطبيقه، مما يثير الشبهة بعدم دستوريته من حيث المبدأ.

 ورأت المحكمة أنّ عّلة  هذا الاشتباه تكمن في أنّ التشريع الذي يحتوى على عبارات غامضة وفضفاضة غير واضحة الدلالة سيكون بمثابة السيف المسلط على رقاب الناس، وأن خطر النصوص الغامضة يتعدى الشخص الماثل أمام هذه المحكمة في الدعوى الموضوعية فقط، بل يمتد إلى المواطنين الآخرين الذين سيمتنعون عن القيام بأعمال محمية بموجب الدستور خوفا من الاصطدام مستقبلا بالمحظورات التي يضعها التشريع.

يذكر أنّ المادة 27 من قانون المحكمة الدستورية قد أتاحت للمحاكم الأخرى إحالة أي قانون أو مرسوم أو لائحة أو نظام أو قرار لازم للفصل في النزاع إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية، ويعتبر هذا القرار السابقة القضائية الأولى التي يتم في إحالة نص قانوني إلى المحكمة العليا بصفتها الدستورية لمخالفته الحقوق والحريات الأساسية للمواطن.
ودنيا الوطن تنفرد بنشر نص القرار كاملا: 

دعوى جزاء صلح رام الله رقم : 3438/2013

الهيئة الحاكمة : القاضي أحمد الأشقر


قرار

بعد التدقيق في أوراق هذه الدعوى وفي سند القانون، تجد المحكمة ما يلي:

أسندت النيابة العامة للمتهم في هذه الدعوى تهمة التواجد في ظروف تجلب الشبهة خلافا لأحكام المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 والتي تنص على" كل من: وجد متجولاً في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر في وقت وظروف يستنتج منه بأنه موجود لغاية غير مشروعة أو غير لائقة، يعاقب في المرة الأولى بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو أن تقرر المحكمة إحالته على أية مؤسسة معينة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية للعناية بالمتسولين لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات."

وباستقراء المحكمة لعناصر التجريم في هذه المادة تجد أن ما حملته هذه المادة من سياسة جنائية عقابية يثير الشبهة بعدم دستوريتها من عدة  أوجه وهي:

أولاً: شبهة مخالفة أحكام المادة (15) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 والتي تنص على أنّ "العقوبة شخصية، وتمنع العقوبات الجماعية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون."

وتجد المحكمة في هذا السياق أن المشرع الدستوري قد أكد على أنّ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وهذا المبدأ الدستوري المرعي النفاذ يفترض أن يكون القانون الجزائي قد نص على الجريمة بصورة محددة تحديدا نافيا للجهالة، وأن يكون هذا النص منزها عن اللبس والغموض، وإلا أصبحت الحقوق والحريات العامة عرضة للتأويلات والتفسيرات التي تذهب بهذا المبدأ مذهب الريح، وتجعل من النص القانوني الجزائي سيفا مسلطا على رقاب المواطنين، لاسيما أنّ غموض النص القانوني يجعل منه أداة لقمع الحريات، تستخدمه السلطة العامة متى شاءت، وتتركه متى شاءت، دون رقيب أو حسيب، وفي هذا تجد المحكمة أن نص المادة 389/5 من عقوبات العقوبات رقم 16 لسنة 1960 قد جاء غامضا فضفاضا بما يجاوز الحكمة التشريعية من النص الدستوري القاضي بأنّ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، وهذا ما تستدل عليه المحكمة مما ورد في هذا النص بتجريم كل من وجد متجولاً في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر، مع عدم تحديد الفعل الجرمي والنتيجة الجرمية على وجه الدقة، ومؤدى ذلك أن التعميم الذي ورد في هذه المادة يجعل من الفعل الجرمي المعاقب عليه بموجبها غير واضح، وقد استقرت بعض اجتهادات القضاء الدستوري المقارن على الحكم بعدم دستورية أي تشريع يتضمن سياسية عقابية غير واضحة، وذلك باستخدام نصوص فضفاضة في تعبيرها ومقاصدها بما يستهدف إحداث قيود غير واضحة تسمح بتقييد الحريات، (أنظر،محمد الخضر، القضاء والإعلام، حرية التعبير بين النظرية والتطبيق، دراسة مقارنة (رام الله: المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية، مدى، 2012، الصفحات32، 33، 67)، وحيث أن استخدام التعابير الفضفاضة في النص التجريمي يجعل من الفعل المجرم بموجبه يتسم بعدم الوضوح، بحيث أن الشخص العادي يكون عليه لزاما أن يتكهن بمعناه، ولا يستطيع أن يحدد مجالات تطبيقه، مما يثير الشبهة بعدم دستوريته من حيث المبدأ، وعّلة  هذا الاشتباه تكمن في أنّ التشريع الذي يحتوى على عبارات غامضة وفضفاضة غير واضحة الدلالة سيكون بمثابة السيف المسلط على رقاب الناس، وأن خطر النصوص الغامضة يتعدى الشخص الماثل أمام هذه المحكمة في الدعوى الموضوعية فقط، بل يمتد إلى المواطنين الآخرين الذين سيمتنعون عن القيام بأعمال محمية بموجب الدستور خوفا من الاصطدام مستقبلا بالمحظورات التي يضعها التشريع، وهذا ما يشكل مساسا بشرعية العقوبة والجزاء التي تعبر عنها القاعدة الدستورية القاضية بأن لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، ولما كان الأمر كذلك، فإن غموض وعدم وضوح نص المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960يسمح بتقييدات غير مبررة لحقوق المواطن مما يستنهض ولاية المحكمة العليا الموقرة بصفتها الدستورية للنظر في مدى دستوريته ومدى مخالفته للمبدأ الدستوري القاضي بأنّ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص.

ثانياً: شبهة مخالفة أحكام المادة  (20)  من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 والتي نصت على أنّ "حرية الإقامة والتنقل مكفولة في حدود القانون." وحيث أن التجوّل في الأماكن العامة هو أحد تعبيرات الحرية في التنقل، وحيث أن القانون الجزائي لا ينبغي له أن يفرض قيودا مرهقة على المواطن لمنعه من ممارسة هذا الحق، وحيث أنّ إحالة  المشرع الدستوري تنظيم هذه الحقوق إلى المشرع العادي لا يعني إطلاق يده في تنظيمها بداعي النظام العام، بل ينبغي على المشرع العادي أن يلتزم بالضوابط الدستورية في حدودها الموضوعية، وأن لا يصل تنظيم هذه الحقوق إلى حدّ إهدارها أو المصادرة الكلية لها، أو أن يفرض قيودا على الحريات والحقوق بما يجعل من الشاق ممارستها، وحيث أنّ عبارة (في حدود القانون) لا تعني أن يصادر القانون (التشريع العادي) هذا الحق، وإلا اصبح النص الدستوري ضربا من ضروب العبث، يتجنى عليه المشرع العادي بالانتقاص والتقييد والمصادرة باسم القانون، فيصير الدستور حينها بما اشتمل من حقوق أساسية للمواطنين مجرد ديباجة لا تلقى صدى في التطبيق الواقعي، وحيث أنّ نص المادة 389/5 يفرض قيودا مرهقة على الحق في التنقل والتجول ويعاقب عليها دون مسوغ معقول، فإنّ المحكمة تجد أنّ في ذلك ما يثير الشبهة بمخالفة أحكام المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 للقاعدة الدستورية الواردة في المادة 20 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 مما يستنهض ولاية المحكمة العليا الموقرة بصفتها الدستورية للنظر في مدى دستوريته.

ثالثاً: شبهة مخالفة أحكام المادة (14) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 والتي نصت على أنّ " المتهم برئ حتى تثبت ‏إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وكل متهم في جناية يجب أن يكون له محام يدافع عنه."

وتجد المحكمة في هذا السياق أنّ قرينة البراءة هي مبدأ دستوري مرعي النفاذ، ويفترض هذا المبدأ، أن تكون إجراءات الملاحقة القضائية المفضية إلى الإدانة قائمة بالأساس على الجزم واليقين، لا على الشك والتخمين، ذلك أنّ قرينة البراءة كأصل دستوري مقرر  تستدعي أن يكون التجريم مؤسسا على  الإثبات المستمد من أوراق الدعوى ووقائعها، وأن لا يكون مبنيا على الاستنتاج والشبهة، ويفترض ذلك ان يكون التشريع الجزائي جازما بواقعة ثابتة فعلا مفضية إلى نتيجة جرمية ملموسة، لا مستقاة من ظروف تقوم على الشك، وتجد المحكمة وعلى ضوء ذلك أن نص المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 قد خالف قرينة البراءة بأن جعل أساس التجريم قائما على الاستنتاج، هذا ما تستدل عليه المحكمة مما ورد في متن هذه المادة  حين نصت على (وظروف يستنتج منه بأنه موجود لغاية غير مشروعة أو غير لائقة)، ولما كان الأمر كذلك، فإنّ هذه المحكمة تجد أن لا يستقيم التجريم على فرض الاستنتاج، وإنما على الجزم واليقين، ذلك أنه وإن كان الأمر غير كذلك، فإنّ المواطن سيكون عرضة للتجريم والإدانة والعقوبة، دون معيار سليم وواقعي يتيح له الدفاع عن نفسه في محاكمة عادلة، وهذا ما سيؤدي إلى  بث الرعب في أوساط المواطنين وحرمانهم من حقوقهم في التنقل والحرية الشخصية خوفا من الملاحقة القضائية، وحرمانهم بالنتيجة من الدفاع عن أنفسهم، وإخضاعهم لاستنتاجات أفراد متابينة من شخص إلى آخر ومن بيئة مجتمعية إلى أخرى، ، لاسيما أن هذه المادة لم  تحدد النتيجة الجرمية للفعل المجرمّ وعلاقة السببية التي تربط هذا الفعل  بهذه النتيجة، مما يستهض ولاية المحكمة العليا الموقرة للنظر في مدى دستورية هذه المادة ومدى مخالفتها للمبدأ الدستوري القاضي بتوافر قرينة البراءة.

رابعاً: شبهة مخالفة أحكام المادة 11 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003  والتي تنص على أنّ "1-  الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة لا تمس.

2- لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد او منعه من التنقل إلا بأمر قضائي وفقاً لأحكام القانون، ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطي، ولا يجوز الحجز أو الحبس في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون".

وحيث تجد المحكمة أن الركن المادي لهذه الجريمة يقوم  معاقبة كل يتجول في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر، ولما كان فعل التجول كما يتراءى لهذه المحكمة هو فعل غير مجرّم بطبيعته وانه هو جزء من الممارسة الاعتيادية المشروعة والمتوقعة لكل مواطن لاسيما في الأماكن العامة والشوارع العامة وفي أي وقت سواء في الليل او النهار، فإنّ المحكمة تجد أنّ هذه المادة الجرمية قد انتهكت حقّ الحرية الشخصية للمواطن بالتجول في الأماكن والشوارع العامة وفرضت قيودا غير مبررة على ممارسة المواطن لهذا الحق، لا سيما أنّ هذه المادة لم تقم على بيانٍ واضحٍ للنتيجة الجرمية المرتبطة بعلاقة سببية منطقية ومعقولة ليصار إلى فرض جزاء على كل من يتجول في الأماكن العامة.

ولما كان الأمر كذلك،  وحيث نصت المادة 118 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 على أنه" فيما لا يتعارض وأحكام هذا القانون الأساسي المعدل تظل سارية القوانين واللوائح والقرارات المعمول بها في فلسطين قبل العمل بهذا القانون إلى أن تعدل أو تلغى وفقاً للقانون." وحيث أنّ مبدأ تدرج وهرمية التشريعات يفترض أن لا يتعارض التشريع العادي مع النص الدستوري، ولما كانت الخصومة في الدعوى الدستورية عينية بطبيعتها ومناطها اختصام النص التشريعي المطعون فيه استهدافًا لمراقبة مدى دستوريته وانضباطه داخل أطر الشرعية الحاكمة على هدى من أحكام القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 باعتباره الوثيقة الدستورية النافذة، ولما كان يتعين على إثر ذلك استواء التشريعات جميعها على مرفئ هذا الدستور على قاعدة سموه، وحيث نصت المادة 27/2 من قانون المحكمة الدستورية رقم 3 لسنة 2006 على أنه "إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو مرسوم أو لائحة أو نظام أو قرار لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية"، وحيث تراءى لهذه المحكمة وجود شبهات في مخالفة نص المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 لأحكام المواد 11 و20 و15 و14 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 على الوجه الذي بيّناه آنفا، وحيث أن هذا النص المشتبه بعدم دستوريته لازم للفصل في هذه الدعوى الموضوعية، وسندا لكل ما تقدم،  وعملا بأحكام المادة 27/2 من قانون المحكمة الدستورية رقم 3 لسنة 2006 تقرر المحكمة وقف السير في هذه الدعوى، وإحالة الأوراق إلى المحكمة العليا الموقرة المأذونة مؤقتا بنظر الطعون الدستورية للفصل في المسألة الدستورية حسب الأصول، وأفهم في 3/9/2013.

الأحد، 6 أكتوبر 2013

الاختصاص الشخصي لمحاكم الأحداث في فلسطين


                                                                                                                  
                                                                                                       القاضي أحمد الأشقر


يعرّف الاختصاص القضائي بأنه سلطة أو صلاحية يمنحها القانون لمحكمة معينة أو لقاضٍ معين للنظر في نوعية محددة من القضايا والفصل فيها، وذلك إذا توافرت الشروط التي ينص عليها القانون، وبعبارة أخرى، يعني الاختصاص القضائي صلاحية مباشرة ولاية القضاء في نظر الدعوى في الحدود التي رسمها القانون، ولا يكفي توافر ولاية القضاء للقاضي فحسب، بل أن يجب أن ينعقد الاختصاص له صحيحا كي يمتلك ولاية الفصل في النزاعات المعروضة عليه، ولا تتوافر له هذه الولاية إلا في جوانب ثلاثة،  أولها أن يكون القاضي مختصا بمحاكمة شخص المتهم، وثانيها أن يكون مختصا بنظر نوع الجريمة أو الفعل، وثالثها أن يكون مختصا من حيث مكان وقوع الجريمة أو مكان إقامة المتهم أو مكان ضبطه،  هذا ما ينسحب على قاضي الأحداث، وعلى ذلك لا ينعقد الاختصاص لمحكمة الأحداث إلا بتوافر الاختصاص الشخصي والنوعي والمكاني، وفيما يتعلق بالاختصاص الشخصي نجد أن بعض التشريعات قد أخذت ضمن رؤيتها للسياسية الجنائية بمعاملة خاصة لبعض فئات المتهمين، وذلك تحقيقا للأهداف المرجوة من السياسة الجنائية في الإصلاح والتأهيل والعدالة الاجتماعية، من خلال مراعاة خصوصية ظروف هؤلاء، وتيسيرا لإجراءات محاكمتهم التي ترتبط بعوامل توجب على القانون والمحكمة اتخاذ تدابير خاصة وميسرة بشأنهم، وذلك تحقيقا لصالح المجتمع والنظام العام من جانب، وإعمالا لنظرية الدفاع الاجتماعي من جانب آخر، ومن هذه الفئات التي حظيت بمعاملة خاصة في مجال السياسية الجنائية هي فئة الأحداث، على أن بعض الانظمة التشريعية في السياسة الجنائية لقضاء الأحداث تخرج عن هذه القاعدة بأنّ تتيح للقضاء الجزائي العادي محاكمة الحدث لاسيما إذا كان مشتركا معا بالغين، وكذلك تخرج عن هذه القاعدة أيضا من خلال منح الاختصاص لقضاء الأحداث بمحاكمة بالغين في ظروف وجرائم معينة.
و يتحدد الاختصاص الشخصي لقضاء الأحداث على بصلاحيته لمحاكمة فئة محددة من الناس يطلق على أفرادها مصطلح الأحداث، ويعتبر المعيار الشخصي في اختصاص محاكم الأحداث هو المعيار الأساسي الذي يقوم عليه نظام قضاء الأحداث، الأمر الذي حدى ببعض التشريعات إلى الإشارة الجازمة أنّ محاكم الأحداث هي المختصة وحدها بمحاكمة الأحداث، حتى قيل بأن الاختصاص الشخصي لمحاكم الأحداث ذو طبيعة استئثاريه أو انفرادية، بمعنى أن قضاء الأحداث وحده المختص دون غيره بمحاكمة الحدث، ويقع باطلا أي حكم قضائي يصدر خلافا للمعيار الشخصي المُحدد لاختصاص محاكم الأحداث.
ولما كان الأمر كذلك، فإننا نجد أنّ الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث بمحاكمة الأحداث ينطوي على ضابطين أساسين، الضابط الأول هو سنّ الحدث المحدد في التشريعات السارية، والضابط الثاني ينطوي على وقت ارتكاب الفعل فيما إذا كان المتهم حدثا حينها أم لا.
وفيما يتصل بالضابط الأول، فإنّ التشريعات تعمد إلى وضع معايير زمنية للدلالة على شخص الحدث، وهي معايير زمنية عمرية تتراوح بين حد أعلى وأدنى، وعليه، فإنّ الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث ينعقد طالما كان المتهم يمثل أمام المحكمة داخل في نطاق الفئة العمرية المعتبرة للأحداث.
أما فيما يتعلق بالضابط الثاني، فيبدو جليا أن محكمة الأحداث هي المختصة بمحاكمة المتهم عن فعل مجّرم وقع منه وهو حدث، حتى وإن تمت محاكمته بعد بلوغه الرشد، وعلى هذا استقر الاجتهاد القضائي الفلسطيني، ومن ذلك ما قضت محكمة الاستئناف  المنعقدة في  رام الله  في الدعوى الجزائية رقم 227 لسنة 99 من أنه "إذا كان الفاعل عند ارتكاب الجرم حدثاً يطبق بحقه قانون الأحداث"  وكذلك مما قضت به ذات المحكمة في حكمها في الدعوى الجزائية رقم 518 لسنة 99 من "أنّ  قانون إصلاح الأحداث لسنة 1954 هو قانون خاص وضع تدابير وإجراءات وعقوبات خاصة بالأحداث خلافا لما هو وارد في قانون العقوبات لسنة 1960، فإن كان المتهم وقت ارتكابه الجريمة حدثا فيطبق عليه قانون الأحداث،" وهذا يستتبع وفق ما يرى الباحث أن تسري كاف الإجراءات المنصوص عليها في قانون الأحداث تجاه المتهم الذي ارتكب الجرم إبان كونه حدثا حتى وإن تمت محاكمته أو استمرت بعد بلوغه سن الرشد، وهذا بالضرورة يستند على أساس يقوم على فكرة أن الأحكام التي وضعها المشرع في محاكمة الأحداث ترتبط حقيقة بمراعاة الظروف الاجتماعية والواقعية التي دفعت الحدث لمقارفة الفعل الجرمي، الأمر الي يوجب أن يستفيد المتهم من الإجراءات الخاصة بمحاكمة الأحداث حتى وإن تمت محاكمته وهو بالغ.
وقد أشار التعليق العام رقم 10 في الفقرة رقم 10 إلى أنّ" إنّ الأطفال يختلفون عن الكبار في نموهم البدني والنفسي، وفي احتياجاتهم العاطفية والتعليمية، وتشكل هذه الفوارق الأساس الذي يقوم عليه التخفيف من ذنب الأطفال المخالفين للقانون، وهذه الفوارق وغيرها هي علة وجود نظام مستقل لقضاء الأحداث وتستلزم معاملة مختلفة للأطفال،"  مما يستدعي أن تطبق على الأحداث إجراءات خاصة تختلف عن تلك التي تطبق على البالغين في كل الحالات.
وجريا على ذلك، شرعت القوانين الناظمة لقضاء الأحداث بالنص على صراحة على اختصاص محكمة الأحداث وحدها دون غيرها بمحاكمة الأحداث، وهذا ما جاءت به المادة 7 من قانون إصلاح الأحداث رقم 16 لسنة 1954 النافذ في الضفة الغربية، والتي نصت على أنه "إيفاء بالغاية المقصودة من هذا القانون تعتبر المحكمة التي تنظر في التهم المسندة إلى أي حدث أنها (محكمة أحداث) ولا تعتبر كذلك إذا كان الشخص الجارية محاكمته متهماً بالاشتراك مع شخص آخر غير حدث".
وهذا أيضا ما ذهبت له المادة 3 من قانون المجرمين الأحداث لسنة 1937النافذ في قطاع غزة حين نصت على " إيفاء للغاية المقصودة من هذا القانون، تعتبر كل محكمة لدى نظرها في التهم المسندة إلى الأولاد أو الأحداث أو الفتيات، أنها محكمة أحداث، إلا إذا كان الشخص الجارية محاكمته متهماً بالاشتراك مع شخص آخر ولم يكن شريكه ولداً أو حدثاً أو فتاة."
ويبدو أن قانون إصلاح الأحداث النافذ في الضفة الغربية وقانون المجرمين الأحداث النافذ في قطاع غزة قد انتهجا ذات النهج بخصوص تحديد الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث، إلا أنهما وعلى ذات النحو أخرجا الحدث المشترك في تهم مع بالغين من نطاق الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث، وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي الفلسطيني، ومنه ما قضت به محكمة الاستئناف  المنعقدة في  رام الله  في الدعوى الجزائية رقم 234 لسنة 2010 من أنّ "المحكمة لا تعتبر محكمة أحداث  طالما تمت محاكمة الحدث مع أشخاص شركاء آخرين ليسوا  أحداثا".

الجمعة، 26 أبريل 2013

أركان جريمة الاحتيال في قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960


القاضي أحمد الأشقر
تعتبر جريمة الاحتيال من الجرائم الشائعة في المجتمع الفلسطيني، وغالبا ما يختلط توصيف هذه الجريمة مع النزاع المدني بين الخصوم المستند إلى المسؤولية المدنية بشقيها التقصيرية والعقدية، وهوما يجعل هذه الجريمة من الجرائم التي تحتاج إلى إعمال ذهني من قبل قاضي الموضوع للتحقق من توافر أركان هذه الجريمة وتمييزها عن النزاع المدني.
ولما كان من الثابت أن مقصد المشرع في التجريم يستلزم تحقق أركان واقعة الجريمة المستوجبة للعقوبة والظروف التي أحاطت بها تحققا لا يدع مجالا للشك بما يستفاد من هذه الوقائع دقة الاستدلال وسلامة المأخذ وتحقق المقصد التشريعي من تجريم فعل الاحتيال، فإن المشرع قد نص على أركان محددة وخاصة لهذه الجريمة تتلخص فيما يلي :
1- الركن القانوني ( الشرعي) :
وهو الركن الذي يقوم على قاعدة انه لا جريمة ولا عقوبة إلى بنص، وفيما يتعلق بجريمة الاحتيال في قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 نجد أن الركن القانوني يستمد وجوده وشرعية من نص المادة 417 من هذا القانون والتي يجب إعمال محتواها ومؤداها في سبيل الوصول إلى حكم يستند إلى إطار قانوني صحيح.
2- الركن المادي :
يعرف الركن المادي بأنه الفعل الجرمي المعاقب عليه والذي يؤدي إلى النتيجة الجرمية مع ضرورة توافر علاقة سببية تربط بين هذا الفعل والنتيجة المتحققة، وبالنظر إلى نص المادة 417 من قانون العقوبات رقم 16لسنة 60 نجد أن هذه المادة قد عرفت الاحتيال ووسائله بأنه حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو أسناداً تتضمن تعهداً أو إبراء فاستولى عليها احتيالاً باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام المجني عليه بوجود مشروع كاذب أو حادث أو أمر لا حقيقة له أو إحداث الأمل عند المجني عليه بحصول ربح وهمي أو بتسديد المبلغ الذي أخذ بطريق الاحتيال أو الإيهام بوجود سند دين غير صحيح أو سند مخالصة مزور، أو بالتصرف في مال منقول أو غير منقول وهو يعلم أن ليس له صفة للتصرف به، أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة.
ويتضح من هذه المادة أنّ الركن المادي لجريمة الاحتيال يشترط وجود وسائل تعتبر كل وسيلة منها إن تحققت ركنا ماديا صالحا لتوافر شروط التجريم وهذه الوسائل وردت على سبيل الحصر وهي وفق ما يستفاد من متن المادة 417 من قانون العقوبات تتمثل باستعمال طرق احتيالية أو تصرف الجاني في مال منقول أو غير منقول وهو يعلم أن ليس له صفة التصرف فيه أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة ، ولكن وجود هذه الوسائل وحدها لا يعد سببا كافيا لتوافر الركن المادي، إذ إنّ من المتفق عليه فقها والمستقر في الاجتهاد القضائي أنه يشترط لقيام الطرق الاحتيالية كركن مادي من خلال الاتيان بأحد الوسائل الاحتيالية أن يدعم الجاني ادعاءاته أو أكاذيبه بأشياء خارجية تساعد على الباسها ثوب الصدق وتؤدي الى إدخال الغفلة على المجني عليه وحمله على تسليم ماله وأن تكون هناك علاقة سببية بين طرق الاحتيال الذي لجأ اليه الجاني وبين الاستيلاء على مال الغير دون وجه حقوذلك باتصال الفعل بالنتيجة من خلال رابطة السببية، وفي هذا تقول محكمة التمييز الأردنية في الطعن رقم 1985 / 134 أن الاحتيال هو فعل الخداع من المحتال ليحمل المجني عليه ليسلمه ماله لكي يستولي عليه، وأنّ المجني عليه ما كان ليقبل بهذا التصرف لو عرف الحقيقة وانه وإن كان الكذب المجرد عن عناصر خارجية لا يؤلف جريمة الاحتيال، لكن اذا استعان المحتال بشخص ثالث او بظرف يدعم الكذب ليعطي الكذب قوة اقتناع ففي هذه الحالة يكون الفعل على هذه الصورة جريمة الاحتيال .
3- الركن المعنوي :
يبدو جليا أن جريمة الاحتيال هي من الجرائم القصدية التي يشترط فيها توافر القصد الجنائي العام وهو علم وإرادة المتهم بارتكابه النشاط الجرمي بالإضافة إلى ضرورة توافر قصد جنائي خاص وهو انصراف نية الجاني الى الاستيلاء على جزء من ثروة الغير بدون حق باستعمال وسيلة احتيالية وفق ما جاءت به المادة 417 من قانون العقوبات النافذ حيث أنّ من المستقر قضاء وفق اجتهاد محكمة النقض المصرية في العديد من أحكامها ومنها الطعن ( الطعن رقم 25947 لسنة 59 ق جلسة 1994/3/20 س 45 ص 412 ) الذي أشار إلى أنه "من المقرر أن مجرد الأقوال والادعاءات الكاذبة مهما بلغ قائلها في توكيد صحتها لا تكفى وحدها لتكوين الطرق الاحتيالية بل يجب لتحقق هذه الطرق في جريمة النصب أن يكون الكذب مصحوباً بأعمال مادية أو مظاهر خارجية تحمل المجنى عليه على الاعتقاد بصحته" وهذا ما أكدته محكمة التمييز الأردنية باعتبار ضرورة قيام المتهم بفعل إيجابي لتحقق الركن المادي في الوسائل الاحتيالية حيث أشارت في الحكم رقم 1976/ 42 إلى أنه "يشترط في جريمة الاحتيال أن يأتي الجاني فعلا ايجابيا ينتحل به الاسم الكاذب أما لو اتخذ موقفا سلبيا بأن ترك الغير يعتقد في صفة ليست له أو اسما غير اسمه واستطاع الحصول بذلك على مبلغ من المال ، فلا يتوافر بذلك ركن الجريمة ويكون من سلم المال قد فرط في حق نفسه" حيث يمكن القول أن الركن المعنوي لجريمة الاحتيال لا يتحقق دون وجود نية لدى الجاني بارتكاب فعل الاحتيال والاستيلاء على مال الغير دون وجه مع توافر علمه وإرادته بارتكاب الفعل الذي يجب ان يكون مصحوبا بأعمال مادية أو مظاهر خارجية تعزز القناعة بأن الجاني تتوافر لديه نية ارتكاب الفعل وإيهام المجني عليه للاستيلاء على أمواله.

الدعوى المدنية أمامَ القاضي الجزائيّ

 
 
القاضي أحمد الأشقر

 
إنّ من الثابتِ الذي لا يقبلُ التأويل أنّ الأصل في نظر المنازعات المدنية منوطٌ بالمحكمةِ  المدنية دون سواها، ولقد أوردَ المشرعُ استثناءً على هذه القاعدة يقضي بتخويلِ المحكمة الجزائية صلاحيةَ النظر في الدعوى المدنيةِ تبعاً للدعوى للجزائية المنظورة أمامها، وقد نظمّ قانون الاجراءات الجزائية النافذ أحكامَ نظر الدعوى المدنية أمام القاضي الجزائيّ بجملةٍ من المواد المتعلقة بهذا الشأن، ومنها المادة (11) التي تنصُ  على أنّه " يبقى الادعاء بالحق المدني من اختصاص المحكمة المنظور أمامها الدعوى الجزائية وإذا كانت الدعوى الجزائية لم ترفع يكون الاختصاص بالدعوى المدنية للمحكمة المدنية المختصة"  وقد أحال المشرع الأحكام التنظيمية والاجرائية في طريقة البت في الدعوى المدنية أمام القاضي الجزائي إلى ما تمليه أحكام قانون البينات في المواد المدنية والتجارية وذلك وفق صريح المادة ة (210) من قانون الاجراءات الجائية النافذ والتي نصت على" 1- تلتزم المحكمة بتطبيق أحكام قانون البينات في المواد المدنية والتجارية على دعوى الحق المدني التي تنظر فيها تبعاً للدعوى الجزائية.2- تتبع في نظر دعوى الحق المدني من حيث الإجراءات القواعد التي يقررها هذا القانون." 
 
والسؤال الملّحُ في هذا الجانب، يقومُ على أساس فهم مقصدِ المشرع من منح هذه الصلاحية للمحاكم المدنية خروجاً عن القاعدةِ الأصل،  لماذا أباحَ المشرّع للمحكمة الجزائية أن تتصدى للدعوى المدنية خارج حدود اختصاصها الأصيل ؟؟ 
 
إن محاولة الاجابة عن هذا التساؤل لا يُقصد منها الترف الفقهيّ أو الاجتهاد العبثيّ بقدر ما تؤسس هذه الاجابة  لفضاء من الجدل البنّاء حول حدود اختصاص القاضي الجزائي في نظر الدعوى المدنية  كي لا يراوحُ  القاضي الجزائيُّ  مكانَه بين التوسع أو التضييق  في ممارسته لحدود هذا الاختصاص الاستثنائي .
إنّ مقاصدَ المشرع يجبُ أن تكون بوصلةُ القاضي التي لا تخطئُ في سبيل أدائِه رسالته القضائية بالصورة الفضلى، دون تزيّدٍ أو انتقاص، وقد  استقرّ الاجتهادُ القضائيُّ المقارنُ في على مسائل بهذا الشأن أهمها : 
 
1-  إنّ اختصاص القاضي الجزائي الاستثنائيّ بنظر الدعوى المدنية تبعا للدعوى الجزائية يهدف إلى جبر الضرر الناشئ عن الجريمة في حال ثبوتها، وأمام ذات القاضي الذي يحكم بالإدانة والمتبصر في وقائعها واعياً ونافداً ، لأنّ " الأصلُ في دعاوى الحقوق المدنية التي ترفع استثناء إلى المحاكم الجزائية بطريق التبعية للدعوى الجنائية، أن يكون الحق المدعى به ناشئاً عن ضرر للمدعى من الجريمة المرفوعة بها الدعوى (أنظر الطعن رقم 60248 / 59 نقض مصرية )  ومؤدى ذلك، أنّه إذا كان قد أجيز للمدعى بالحقوق المدنية أن يطالب بتعويض عما لحقه من ضرر أمام المحكمة الجزائية  فإن هذه الإجازة ما هي  إلا استثناء من أصلين مقررين حاصل أولهما أن المطالبة بمثل هذه الحقوق إنما تكون أمام المحاكم المدنية ، والثاني أنّ تحريك الدعوى الجزائية إنما هو حق تمارسه النيابة العامة وحدها، ومن ثم يتعيّن عدم التوسع في الاستثناء المذكور وقصره على الحالة التي يتوافر فيها الشرط الذى قصد الشارع أن يجعل الالتجاء إليه فيها منوطاً بتوافره، وهو أن يكون المدعى بالحق المدني قد أصابه ضرر شخصي مباشر من الجريمة.
 
2- إذا لم يكن الضرر الذى لحق بالمدعي ناشئاً عنا الجريمة سقطت تلك الإباحة الاستثنائية للقاضي الجزائي بنظر الدعوى المدنية وسقط معها اختصاص المحكمة الجزائية بنظر الدعوى المدنية، مما يقود إلى القول أن الحكم بعدم الاختصاص هو الأقرب للقانون من الحكم برد الدعوى المدنية كما هو دارج في أحكامنا الجزائية في فلسطين، ذلك أنّ الرد قد يحمل معنى نفي حق المدعي المدني برفع دعواه أمام محكمة مدنية، لأن الحكم  الصادر من القاضي وهذه الحالة يكون صادرا عن هيئة قضائية غير مختصة وفقا لمقاصد المشرع.
 
3- لا تثريب على الحكم القاضي بالتعويض المدني الصادر عن القاضي الجزائي إن لم يبين عناصر الضرر الذى قدر على أساسه مبلغ التعويض، إلا أنّ ذلك مشروط بأن يكون الحكم قد أحاط بأركان المسئولية التقصيرية من خطأ وضرر وعلاقة سببية وأن يكون ما أورده في هذا الخصوص مؤدياً إلى النتيجة التي انتهى إليها في التجريم والتعويض .
 
4- في حال الحكم بالبراءة في دعوى جزائية ملحقة بها دعوى مدنية ، فيجب أن يشتمل الحكم على أسباب الحكم بالبراءة ذلك لأن أحكام البراءة المستندة إلى كون " الفعل لا يؤلف جرما " لا تنفي حق المدعي بالحق المدني للمطالبة بالتعويض أمام المحاكم المدنية وهذا ما جاء به صريح المادة (390/3)  والتي نصت على انه " لا يكون للحكم بالبراءة هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون" وهذا ما استقر عليه قضاء محكمة النقض الفلسطينية في حكم محكمة النقض  المنعقدة في  غزة  في الدعوى الحقوقية رقم 40 لسنة 2004 والذي جاء فيه " 
"الحكم الجنائي الصادر بالبراءة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون سواء لانتفاء القصد الجنائي أو لسبب آخر لا تكون له حجة أمام القضاء المدني، وبالتالي لا يمتنع على المحكمة من البحث فيما إذا كان هذا الفعل مع تجرده من صفة الجريمة نشأ عنه ضرر يصح أن يكون أساساً للتعويض" 
 
5- إذا أقيمت الدعوى المدنية تبعا للدعوى الجزائية فإن القاضي الجزائي ملزم بالفصل بالدعويين بحكم واحـد وليس للمحكمـة الجزائية أن تفصل في إحداهما وتؤجل البت في الثانيـة وإلا كان حكمهـا في الدعوى المدنية بعد ذلك باطلا لصدوره في وقت فقدت فيه المحكمـة ولايتهـا في النظر في الدعوى المدنية طالما ان الدعوى العامة لم تعد قائمة أمامها (أنظر تمييز أردنية رقم 1996  /  610 )
 
6- ان الالتزام بالتعويض عن الضرر الناشئ عن الجريمة تحكمه نصوص قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية وقانون البينات والأصول المدنية، وهو يشمل الضرر المادي والضرر المعنوي ومصاريف المعالجة أو بدل التعطيل، والضرر المادي هو كل ضرر يخل بمصلحة المضرور ذات القيمة المادية، وتتبع في الاثبات في الدعوى المدنية المقامة تبعا لدعوى الحق العام قواعد الاثبات الخاصة بالدعوى المدنية ويتوجب على المدعي بالحق الشخصي تقديم البينة لإثبات هذا الحق، ويجب أن يؤسس القاضي الجزائي حكمه في التعويض على ضوء البينات الثابتة وليس على مجرد التقدير الناتج عن حرية الإثبات في المواد الجزائية.
أخيرا ،، ولمّا كانت الدعوى الجزائية هي الأصل والدعوى المدنية هي الفرع، ولمّا كان من الثابت أنّ الدعوى المدنية تدور مع الدعوى الجزائية وجودا وعدما، فإن الدعوى المدنية التي تقام تبعا لدعوى الحق العام لدى القاضي الجزائية تكون تابعة لطرق الطعن المقررة لدعوى الحق العام في قانون الإجراءات الجزائية وهذا ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز الأردنية    ( أنظر الطعن 1979  / 70).

السبت، 9 يوليو 2011

سودنة الحالة الفلسطينية !!

تخطر ببالي صورة القائد الشيوعي العربي السوداني " عبد الخالق محجوب " الذي أعدمه النميري في محاكمة عسكرية،  ربما يكون السبب في أن ذكراه التموزية  تقترب سريعا والسودان يُقسَّم إلى دولتين في تموز ذاته ، يخطر ببالي أن أغني له أغنية سميح شقير ( بعدك عايش ببالنا فلاحينا وعمالنا) ، يخطر ببالي أن أبكي محجوب وحيداً وأن أحتسي مع روحه كوب الشاي الذي ارتشفه قبل إعدامه ، يخطر ببالي أن أبكي السودان معه اليوم ...
هل البكاء مع محجوب في تموز 2011  يدفعك لقراءة العالم من جديد؟ العالم الغابة في ظل قانون القوة لا قوة القانون، الفلسطينيون وحدهم من يفهمون ذلك، حين تكون القوة وحدها من تسود في العلاقات الدولية، وكيف تكون المصالح من ينسج شكل التنظيم الدولي وعلاقات أشخاص القانون الدولي العام ، وذلك في أطرٍ ظالمة أبعد ما تكون عما أقرته الشرعة الدولية من مبادئ سامية صاغها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأقرها ميثاق هيئة الامم وأكدها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ولما كان ميثاق الأمم المتحدة قد نص على تقرير المصير في ميثاق الأمم المتحدة في المادة (1/2)، والمادة (55) منه، ولما كانت المادة الاولى من العهد الأولى الخاص للحقوق المدنية والسياسية تنص على أن  لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركز سياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فإن العالم يتسند اليوم إلى هذه المبادئ وغيرها في دعم انفصال جنوب السودان عن شماله وإرسال ثمانية آلاف جندي من ذوي القبعات الزرق بقرار سريع من مجلس الأمن لحفظ السلم الأهلي هناك .
وماذا عن فلسطين؟؟ ألا يمكن سودنة الحالة الفلسطينية ولو على سبيل المقاربة ؟؟ بالتأكيد أن مصطلح السودنة المشتق من لفظ (السودان )  لن ينسجب على الحالة الفلسطينية  في ظل هيمنة الشرطي الأمريكي على العالم وانبطاح القوانين الدولية  تحت قدم إسرائيل، ولكن مصطلح السودنة المشتق من لفظ ( السواد )  تجاوزا ، يمكن أن يتفق عليه في توصيف حراك الفلسطينيين لتقرير مصيرهم الحق المهدور منذ عقود .
السودنة التي دفعت أمريكا للتهديد بقطع المساعدات عن الامم المتحدة إذا اعترفت الجمعية العامة بالدولة الفلسطينية، ودفعتها للتهديد باستخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن، السودنة التي تقوم على منع أشكال  التضامن الشعبي الدولي مع معاناة الفلسطيني الذين تنتهك حقوقهم اللصيقة على مرآى العالم، وذلك من خلال منع اليونان أساطيل الحرية من الابحار من إلى شاطئ غزة المحاصر ، السودنة التي  جعلت فرنسا والمانيا وجنيف تمنع انطلاق طائرات تضم متضامنين مع الشعب الفلسطيني، هو السواد الظالم الذي يحكم العالم منذ عقود حين يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين ، بينما لا يستغرق الأمر سوى سويعات أو أيام لقرارات مجلس الامن بالتدخل الدولي الإنساني في ليبيا ومن قبلها في العراق وكوسوفو وغيرها، بينما يغرق الفلسطينيون في الدم في حروب الإبادة الجماعية التي شنتها اسرائيل وآخرها حرب غزة ولا شيء يحدث كأنّ شيئاً لم يحدث !!
 لن أستعيد التاريخ هنا، ولن أستعرض مضامين القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية في معرض إدانة هذا العالم الظالم، ولكننني سأستعيد فقط صورة محجوب المعلق على حبل المشنقة في تموز، لأتذكر كم أننا بحاجة للبكاء!!

السبت، 18 يونيو 2011

حتمية التاريخ ومحاولات أوباما البائس

من منا لم يسخر من أمريكا بينما كان يقف بنيامين نتنياهو مثل هتلر في مقر الغستابو الصهيوني النازي الأمريكي، أو ما يعرف بالكونغرس، هاتفا للحرب، ورواد الصهيونة النازية الفاشية الجدد يصفقون كثيرا، مثلما صفق أغبياء النازية لهتلر ذات يوم .
الفرق الوحيد أن الهولوكوست الفلسطيني هو محض حقيقة، وليس مجرد وهم كهولوكوست الشعب اليهودي المزعوم.
هل في الأمر مفارقة؟ التاريخ سيعيد نفسه مرة أخرى، دكتاتورية نازية فاشية مدعومة بقوى استعمارية غاشمة تقتل الاطفال والنساء وتعيث فسادا بالأرض، والنازيون الجدد يصفقون!
هكذا هي حتمية التاريخ، الشعب اليهودي الغبي الذي سباه نبوخذ نصر منذ القدم ولفظته الشـــعوب الأوروبية أيضـــــا، لا يزال يمارس غباءه وغروره المشبع بالتعالي المرتكز على جرائم بحق الشعوب الأخـــرى، تماما ككل الدكتاتوريات الــــبائدة، ها هو اليوم أيضا يجر ذاته إلى منتهى الغباء في الطريق إلى مذبحته على يد أحرار العالم العربي القـــــادمين، مذبحة الشعب اليهودي النازي الجديدة تقترب أكثر كلما ازداد غرور هؤلاء وجنــــون عظمة دولتهم المزعومة التي ستغرق في بصاق ملايين الشباب العربي الثائر...
يهود العالم الذين أصابهم وهم اسرائيل الكبرى، لا يريدون ان يعترفوا بما قالت توراتهم ولا يريدون ان يستمعوا لصوت الناشطة 'راي أبليه' اليهودية التي قاطعت خطاب الزعيم نتنياهو في الكونغرس، ولا لأصوات العشرات من المفكرين اليهود، هم لم يتعلموا درس حزب الله الذي جعل من شمال فلسطين المحتلة مدائن أشباح بمجرد سقوط صواريخ المقاومة، لا يريدون ان يفهموا ان اليهود الذي يحتلون فلسطين لن يجلسوا ساعة واحدة في بيوتهم في الطريق الى مطارات العالم عندما يدق ناقوس الحرب الحقيقية، اليهود القادمون من بولندا وروسيا وامريكا وغيرها لا يزالون يحتفظون بجوازات سفر بلدانهم الأصلية استعدادا لهذا اليوم على ما أظن.
هنا في فلسطين يكبر الوجع مثلما يكبر الحلم، الأمة العربية التي تستعيد ألقها بثورات أعادت للرجل العربي حضوره الحضاري، جعلت من الشعب الفلسطيني ماكينة أمل بأن التحرير قادم لا محالة، الزحف العظيم الذي نفذه الفلسطينيون والعرب على طول الحدود الهادئة منذ عشرات السنوات يؤشر إلى أن ثمة تغييرا حقيقيا في شكل المنطقة قد يساهم فيه بشكل جلي سقوط نظام بشار الأسد، الذي جعل من المقاومة حالة وردية في الجولان المحتل، وتغييرا حقيقيا في أطول خط حدود مع البلاد المحتلة في الأردن، الذي جعل الشباب الفلسطيني والعربي الزاحف في قرية الكرامة يعود حافيا عاريا إلى العاصمة عمان.
في مصر بدأ التغيير، وها هي أول حــــدود فلسطينية عربية تفتح على مصراعيها من دون رقابة أمريكا او اوروبا او الكيان الصهيوني، التغيير الذي أحدثه صوت الجماهير المصرية التي صرخت باسم فلسطين في ميدان التحرير بذكرى النكبة سيمتد صداه في وجدان كل عربي حتى في العراق، الذي تعاقبت عليه الحكومات الاحتلالية وبات متململا وناشدا للحرية، فلسطين لن تغيب عن العراق أيضا.
أوباما يفهم جيدا ما الذي يحدث في العالم العربي، الصهيونية العالمية لا تريد أن تفهم أن إسرائيل ستذوب مثل ذرة ملح في كأس الأمة العربية التي تغلي بالحقد ورغبة الانتقام، أوباما يفهم أيضا ألا وجود الآن لأنظمة عميلة تسهر على أمن إسرائيل، لأن هذه الأنظمة فشلت في حماية أمنها، الصهيونية العالمية المدعومة برجال الغستابو الصهيوني من أعضاء الكونغرس لا يريدون ان يفهموا ذلك عندما قتلوا آمال الشعب العربي والفلسطيني بتسوية سلمية للصراع التاريخي بتصفيقهم الغبي لنتنياهو.
هي حتمية التاريخ إذن، مثلما علا فرعون في الأرض وجعل أهلها شيعا يقتل أطفالهم ويستحيي نساءهم، ها هي اسرائيل تعلو، علوها الكبير في الطريق إلى المنتهى، الغرور والغطرسة الاحتلالية باتت ستارا يحجب على حكماء صهيون بعد النظـــــر والحكمة والمعرفة اليقينية بالمتغيرات هنا، الأمريكي الأسود أوباما، زعيم أمريكا المهـــــزوم في الكونغرس أمام نتنياهو، يشتم رائحة التغيير، ولكنه لن يستطيع ان يفــــعل شيئا بمحاولاته البائسة، لن يغير وجه أمريكا القبيح في وعي العالم العربي والاسلامي، ولن يقنع يهود العالم بان يكونوا رحماء على أنفسهم قبل أن يجروا أنفسهم للمذبحة القادمة، لن يستطيع فعل ذلك، لأن لا أحد في هذا الكون يستطيع العبث بحتمية التاريخ.
نشرت بالقدس العربي بتاريخ 2011/6/1

السبت، 4 ديسمبر 2010

عندما تصبح أمريكا حارسة لأحلام الشعوب !!



في الطريق إلى رام الله ، تشعر للحظة ما كم أن أمريكا رائعة ، وكم أن الشعب الأمريكي شعب محب للشعب الفلسطيني وداعم لآماله وتطلعاته ، عشرات اللافتات الضخمة التي تملأ شوارع الضفة الغربية تتحدث عن الإنجازات العظيمة التي حققتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  المعروفة ب "اليو أس آيد "، إنجازات رائعة في مجالات الأمن والتنمية والاقتصاد والحكم والصناعة والثقافة وغيرها ، حتى يخيل لك للحظة ما أن أمريكا دخلت بيوتنا ونامت على أسرتنا وأعطتنا جرعات مجانية  لمضاجعة الوهم  حتى لا ننجب الحقيقة المرة .

شكرا لمرورك

شكرا لمرورك على المدونة، يمكنك المراسلة على البريد الإلكتروني
ahmadashkar1@gmail.com