السبت، 12 أكتوبر 2013





"عن استقلال القاضي"
رسالة مفتوحة
 
القاضي أحمد الأشقر
لا يكون القاضي مستقلا إلا بانحيازه لله العادل الذي لا يغيب عدله، ولا يختلّ ميزانه، فيكون بذلك جنديا من جنود الرحمن على الأرض، يقيم العدل بما استطاع، لا يرهبه بطش ظالم، ولا تغرّنه حيلة ماكر، ولا تغريه سطوة  الحكم، ولا يستهويه حب التملك.
ولا يكون القاضي مستقلا إن لم يتخل عن نزعة الجاه والغرور، ولوثة التعالي والكِبْر، لأنه وأن كان كذلك بات عبدا لذاته، عاشقا لها حدّ المس بطهارة رسالته، وصفاء سماته، وتجرده عن رضا ذاته وانحيازه فقط لرضا الله.
ولا  يستقل قاضٍ  دون أن ينأى  بنفسه وزوجه وعائلته الدانية عن الخوض في حاجة يتعين على إثرها النزول عن العدل في قضائه إشباعا لرغبة دنيوية عارضة، أو نزعة استرضائية فانية، ودون أن يكون مستقلا بذاته عن رضاء مسؤوليه وأقرانه ،مترفعا عن الجري وراء ترقية أو مدح أو حظوة لدى السلطان واعوانه، ولا يكون مستقلا إن لم تصغر الدنيا في عينه، فيكون المال والنساء ومتع الحياة  كأنما هي إغماضة طرف على محياه لا يلحظها بشر.
 ولا يكون القاضي مستقلا إن لم يكن عزيز الروح، مترفعا عن الهوى واللهو، عصيّ الابتسامة والغضب، نقي السريرة، لا يخوض في أمور العامة خوفا من رأي يلزمه في قضائه.
ولا يستقل القاضي إنّ استدان وإن كان ذلك من غير الخصوم، لأنّ الحاجة ثغرة في الروح ينفذ منها الطامعون إلى حصن القاضي المنيع، فيصير غارقا في سد الذرائع على حساب كرامته، وعدالة أحكامه، ونزاهة مقاصده، وكذلك لا يستقل قاض يقف على باب الناس يستجدي منفعة وإن كانت حقا له، فيصير رهينا لهم، يقتصون منه تارة ويجاملونه تارة أملا في منفعة منه.
ولا يكون القاضي مستقلا  إن لم يخل ذهنه من خوف على قوت عياله، أو رهبة من تعسف من يملك السطوة على رزقه، فيكون جالسا للقضاء على غير ما ينبغي له أن يكون، متوجسا خيفة تحجب عنه الحقيقة، فيصر ملكا للحاكم يأمره وينهاه، ويسوقه إلى مبتغاه، وعندها يصبح القاضي موظفا مرؤوسا، لا يملك من أمره غير الطاعة والخضوع والعياذ بالله.
ولا يستقل قاض اعتاد على مخالطة الساسة، فيُلزم على محاباتهم على حساب حقوق العباد ويستشعر حرجا في مخالفة قولهم وآرائهم، فيختلط الأمر عليه، ويفقد بوصلته في مهب الأهواء والمتغيرات.
وكما لا يكون القاضي قاضيا مستقلا إن لم ينزع عن ثوب السياسة، فإنه لن يكون كذلك إذا ما تراخى في عزل نفسه عن مخالطة المحامين في الأماكن العامة والخاصة، لأنّ حياد القاضي نابع من حدته في درأ مظنة التأثر والشبهات، ولا أكثر من مخالطة المحامين سببا في جلب الشبهة للقاضي وإن كان الأمر على غير الحقيقة.
ولا يستقل قاض يعتريه الحياء في مواجهة التدخل في عمله مهما صغر شأن هذا التدخل من قبل اي شخص على وجه البسيطة، لاسيما من قبل أعزاءه وزملائه وذويه الأقربين، لأن الحياء مقتل الحياد حينما يعتدي الآخرون على استقلال القاضي في حكمه وإجراءاته مهما كان عظم المسببات، ووجاهة الأسباب.
ولا يستقل قاض ضاقت نفسه عن الشعور بالكرامة، فأهانها بالجري وراء الولائم والعزائم والموائد، وقبل دونها أن يكون على عداد المدعوين إلى مناسبات التكريم والتبجيل العامة والخاصة، ويستوي ذلك مع من اعتاد زيارة أصحاب النفوذ من ذوي السلطة والمكانة، لأنّ في ذلك ما يجلب سوء الظّن، ويمس هيبة القاضي مناط استقلاله.
ولا يكون القاضي مستقلا إن خانه الشعور بالغضب والكراهية، فأفقده حياده في الحكم أو الإجراء، فالكراهية والغضب حاجبان يجعلان من القاضي عدوا شرسا لقيم العدالة، ويصيب رسالته القضائية السامية في مقتل لا تقوم لها قائمة بعده.

الجمعة، 11 أكتوبر 2013




أزمة الأخلاق والقانون !!
                                                                                                     القاضي أحمد الأشقر

القانون فعل مجتمعي بطبيعته، أو انعكاس ما لحاجة مجتمعية، والأخلاق تسمو على القانون وتحكمه وهو لا يحكمها إلا بالقدر المجرد الذي تعبر عن القواعد القانونية، بما لها من سلطة الزجر والعقاب.
الأخلاق ليس فضيلة تامة، لكنها وعاء شامل يتسع لكل الفضائل، والقانون لا يعبر بذاته عن الأخلاق بقدر ما يحاول أن يكون وعاء ناظما وحاميا للقيم الأخلاقية.
 ثمة علاقية جدلية مثيرة بين القانون والأخلاق، علاقة سمو وتراتبية، علاقة بدء ومنتهى، الأخلاق شكل من أشكال الوعي الإنساني ومجموعة من القيم والمبادئ تحرك الأشخاص والشعوب كالعدل والحرية والمساواة، بحيث ترتقي إلى درجة أن تصبح مرجعية ثقافية لتلك الشعوب وسنداً قانونياً تستقي منه الدول الأنظمة والقوانين،  لكن الأمر قد يلتبس حينما تتسع الفجوة بين القانون والأخلاق، هنا يجب أن نسعى لوضع تعريف محدد للعلاقة بين القانون والأخلاق، لنعرف حدود المسؤولية، فإذا كانت المسؤولية القانونية تتحدد بتشريعات في مواجهة شخص أو سلطة، فإنّ  المسؤولية الأخلاقية أوسع واشمل من دائرة القانون، لأنها تتصل بعلاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبغيره،  المسؤولية القانونية مقصورة على سلوك الإنسان نحو غيره وتتغير حسب القانون المعمول به، وتنفذها سلطة خارجية،  أما المسؤولية الأخلاقية فهي ثابتة ولا تتغير، وتمارسها قوة ذاتية تتعلق بضمير الإنسان الذي هو سلطته الأولى.
وعندما تتسع الفجوة بين الأخلاق والقانون، يصبح القانون غير ذي جدوى، لأنه فقد حاضنته الأخلاقية، حاضنته الحامية من تحوله إلى أداة لتفتيت المنظومة الأخلاقية، وبالعكس، تصبح الأخلاق غير ذي قيمة  حينما لا يعترف القانون بها.
على ضوء ما سبق يمكن لي أن أسأل، ما الذي يحدث في المجتمع الفلسطيني ؟؟ وتجاوزا أجيب بأن ما يحدث ليس إلا أزمة خطيرة بين الأخلاق والقانون، القانون بات عاجزا عن مواكبة الحاجات الاجتماعية الملحة، أصبح مؤثرا في حدوده القاصرة عن كونه انعكاسا لحاجة مجتمعية،  وبالمقابل باتت الأخلاق غير منضبطة إلى الحد الأدنى من القيم والمثل، ثمة غياب وتغيب للمجتمع الأهلي الحقيقي، المجتمع الذي يشارك ويحاسب ويربي ويصنع القانون بعد أن يكون قد عرف طريقه إلى الأخلاق الحميدة، ما يحدث ليس إلا أزمة بين الأخلاق والقانون، أزمة تحمل نذر الخراب!!



الاثنين، 7 أكتوبر 2013



في سابقة قضائية .. صلح رام الله تحيل نص مادة في قانون العقوبات إلى المحكمة الدستورية لمخالفته الحقوق والحريات


رام الله - دنيا الوطن
قررت اليوم محكمة صلح رام الله هيئة القاضي أحمد الأشقر في الدعوى الجزائية رقم 3438/2013 إحالة المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 إلى المحكمة العليا بصفتها الدستورية للنظر في دستورية هذه المادة من حيث مخالفتها لأحكام المواد 11 و20 و15 و14 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003.

ورأت المحكمة في قرارها أنّ ما ورد في هذا النص "بتجريم كل من وجد متجولاً في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر"، يودي إلى انتهاك الحق في الحرية الشخصية، والحق في التنقل، والحق في افتراض البراءة، ويخالف المبدأ الدستوري القاضي بأنّ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص.

وبيّنت المحكمة  أنّ غموض هذا النص القانوني يجعل منه أداة لقمع الحريات، تستخدمه السلطة العامة متى شاءت، وتتركه متى شاءت، دون رقيب أو حسيب، وأشارت المحكمة إلى أن استخدام التعابير الفضفاضة في النص التجريمي يجعل من الفعل المجرم بموجبه يتسم بعدم الوضوح، بحيث أن الشخص العادي يكون عليه لزاما أن يتكهن بمعناه، ولا يستطيع أن يحدد مجالات تطبيقه، مما يثير الشبهة بعدم دستوريته من حيث المبدأ.

 ورأت المحكمة أنّ عّلة  هذا الاشتباه تكمن في أنّ التشريع الذي يحتوى على عبارات غامضة وفضفاضة غير واضحة الدلالة سيكون بمثابة السيف المسلط على رقاب الناس، وأن خطر النصوص الغامضة يتعدى الشخص الماثل أمام هذه المحكمة في الدعوى الموضوعية فقط، بل يمتد إلى المواطنين الآخرين الذين سيمتنعون عن القيام بأعمال محمية بموجب الدستور خوفا من الاصطدام مستقبلا بالمحظورات التي يضعها التشريع.

يذكر أنّ المادة 27 من قانون المحكمة الدستورية قد أتاحت للمحاكم الأخرى إحالة أي قانون أو مرسوم أو لائحة أو نظام أو قرار لازم للفصل في النزاع إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية، ويعتبر هذا القرار السابقة القضائية الأولى التي يتم في إحالة نص قانوني إلى المحكمة العليا بصفتها الدستورية لمخالفته الحقوق والحريات الأساسية للمواطن.
ودنيا الوطن تنفرد بنشر نص القرار كاملا: 

دعوى جزاء صلح رام الله رقم : 3438/2013

الهيئة الحاكمة : القاضي أحمد الأشقر


قرار

بعد التدقيق في أوراق هذه الدعوى وفي سند القانون، تجد المحكمة ما يلي:

أسندت النيابة العامة للمتهم في هذه الدعوى تهمة التواجد في ظروف تجلب الشبهة خلافا لأحكام المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 والتي تنص على" كل من: وجد متجولاً في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر في وقت وظروف يستنتج منه بأنه موجود لغاية غير مشروعة أو غير لائقة، يعاقب في المرة الأولى بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو أن تقرر المحكمة إحالته على أية مؤسسة معينة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية للعناية بالمتسولين لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات."

وباستقراء المحكمة لعناصر التجريم في هذه المادة تجد أن ما حملته هذه المادة من سياسة جنائية عقابية يثير الشبهة بعدم دستوريتها من عدة  أوجه وهي:

أولاً: شبهة مخالفة أحكام المادة (15) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 والتي تنص على أنّ "العقوبة شخصية، وتمنع العقوبات الجماعية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون."

وتجد المحكمة في هذا السياق أن المشرع الدستوري قد أكد على أنّ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وهذا المبدأ الدستوري المرعي النفاذ يفترض أن يكون القانون الجزائي قد نص على الجريمة بصورة محددة تحديدا نافيا للجهالة، وأن يكون هذا النص منزها عن اللبس والغموض، وإلا أصبحت الحقوق والحريات العامة عرضة للتأويلات والتفسيرات التي تذهب بهذا المبدأ مذهب الريح، وتجعل من النص القانوني الجزائي سيفا مسلطا على رقاب المواطنين، لاسيما أنّ غموض النص القانوني يجعل منه أداة لقمع الحريات، تستخدمه السلطة العامة متى شاءت، وتتركه متى شاءت، دون رقيب أو حسيب، وفي هذا تجد المحكمة أن نص المادة 389/5 من عقوبات العقوبات رقم 16 لسنة 1960 قد جاء غامضا فضفاضا بما يجاوز الحكمة التشريعية من النص الدستوري القاضي بأنّ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، وهذا ما تستدل عليه المحكمة مما ورد في هذا النص بتجريم كل من وجد متجولاً في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر، مع عدم تحديد الفعل الجرمي والنتيجة الجرمية على وجه الدقة، ومؤدى ذلك أن التعميم الذي ورد في هذه المادة يجعل من الفعل الجرمي المعاقب عليه بموجبها غير واضح، وقد استقرت بعض اجتهادات القضاء الدستوري المقارن على الحكم بعدم دستورية أي تشريع يتضمن سياسية عقابية غير واضحة، وذلك باستخدام نصوص فضفاضة في تعبيرها ومقاصدها بما يستهدف إحداث قيود غير واضحة تسمح بتقييد الحريات، (أنظر،محمد الخضر، القضاء والإعلام، حرية التعبير بين النظرية والتطبيق، دراسة مقارنة (رام الله: المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية، مدى، 2012، الصفحات32، 33، 67)، وحيث أن استخدام التعابير الفضفاضة في النص التجريمي يجعل من الفعل المجرم بموجبه يتسم بعدم الوضوح، بحيث أن الشخص العادي يكون عليه لزاما أن يتكهن بمعناه، ولا يستطيع أن يحدد مجالات تطبيقه، مما يثير الشبهة بعدم دستوريته من حيث المبدأ، وعّلة  هذا الاشتباه تكمن في أنّ التشريع الذي يحتوى على عبارات غامضة وفضفاضة غير واضحة الدلالة سيكون بمثابة السيف المسلط على رقاب الناس، وأن خطر النصوص الغامضة يتعدى الشخص الماثل أمام هذه المحكمة في الدعوى الموضوعية فقط، بل يمتد إلى المواطنين الآخرين الذين سيمتنعون عن القيام بأعمال محمية بموجب الدستور خوفا من الاصطدام مستقبلا بالمحظورات التي يضعها التشريع، وهذا ما يشكل مساسا بشرعية العقوبة والجزاء التي تعبر عنها القاعدة الدستورية القاضية بأن لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، ولما كان الأمر كذلك، فإن غموض وعدم وضوح نص المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960يسمح بتقييدات غير مبررة لحقوق المواطن مما يستنهض ولاية المحكمة العليا الموقرة بصفتها الدستورية للنظر في مدى دستوريته ومدى مخالفته للمبدأ الدستوري القاضي بأنّ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص.

ثانياً: شبهة مخالفة أحكام المادة  (20)  من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 والتي نصت على أنّ "حرية الإقامة والتنقل مكفولة في حدود القانون." وحيث أن التجوّل في الأماكن العامة هو أحد تعبيرات الحرية في التنقل، وحيث أن القانون الجزائي لا ينبغي له أن يفرض قيودا مرهقة على المواطن لمنعه من ممارسة هذا الحق، وحيث أنّ إحالة  المشرع الدستوري تنظيم هذه الحقوق إلى المشرع العادي لا يعني إطلاق يده في تنظيمها بداعي النظام العام، بل ينبغي على المشرع العادي أن يلتزم بالضوابط الدستورية في حدودها الموضوعية، وأن لا يصل تنظيم هذه الحقوق إلى حدّ إهدارها أو المصادرة الكلية لها، أو أن يفرض قيودا على الحريات والحقوق بما يجعل من الشاق ممارستها، وحيث أنّ عبارة (في حدود القانون) لا تعني أن يصادر القانون (التشريع العادي) هذا الحق، وإلا اصبح النص الدستوري ضربا من ضروب العبث، يتجنى عليه المشرع العادي بالانتقاص والتقييد والمصادرة باسم القانون، فيصير الدستور حينها بما اشتمل من حقوق أساسية للمواطنين مجرد ديباجة لا تلقى صدى في التطبيق الواقعي، وحيث أنّ نص المادة 389/5 يفرض قيودا مرهقة على الحق في التنقل والتجول ويعاقب عليها دون مسوغ معقول، فإنّ المحكمة تجد أنّ في ذلك ما يثير الشبهة بمخالفة أحكام المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 للقاعدة الدستورية الواردة في المادة 20 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 مما يستنهض ولاية المحكمة العليا الموقرة بصفتها الدستورية للنظر في مدى دستوريته.

ثالثاً: شبهة مخالفة أحكام المادة (14) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 والتي نصت على أنّ " المتهم برئ حتى تثبت ‏إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وكل متهم في جناية يجب أن يكون له محام يدافع عنه."

وتجد المحكمة في هذا السياق أنّ قرينة البراءة هي مبدأ دستوري مرعي النفاذ، ويفترض هذا المبدأ، أن تكون إجراءات الملاحقة القضائية المفضية إلى الإدانة قائمة بالأساس على الجزم واليقين، لا على الشك والتخمين، ذلك أنّ قرينة البراءة كأصل دستوري مقرر  تستدعي أن يكون التجريم مؤسسا على  الإثبات المستمد من أوراق الدعوى ووقائعها، وأن لا يكون مبنيا على الاستنتاج والشبهة، ويفترض ذلك ان يكون التشريع الجزائي جازما بواقعة ثابتة فعلا مفضية إلى نتيجة جرمية ملموسة، لا مستقاة من ظروف تقوم على الشك، وتجد المحكمة وعلى ضوء ذلك أن نص المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 قد خالف قرينة البراءة بأن جعل أساس التجريم قائما على الاستنتاج، هذا ما تستدل عليه المحكمة مما ورد في متن هذه المادة  حين نصت على (وظروف يستنتج منه بأنه موجود لغاية غير مشروعة أو غير لائقة)، ولما كان الأمر كذلك، فإنّ هذه المحكمة تجد أن لا يستقيم التجريم على فرض الاستنتاج، وإنما على الجزم واليقين، ذلك أنه وإن كان الأمر غير كذلك، فإنّ المواطن سيكون عرضة للتجريم والإدانة والعقوبة، دون معيار سليم وواقعي يتيح له الدفاع عن نفسه في محاكمة عادلة، وهذا ما سيؤدي إلى  بث الرعب في أوساط المواطنين وحرمانهم من حقوقهم في التنقل والحرية الشخصية خوفا من الملاحقة القضائية، وحرمانهم بالنتيجة من الدفاع عن أنفسهم، وإخضاعهم لاستنتاجات أفراد متابينة من شخص إلى آخر ومن بيئة مجتمعية إلى أخرى، ، لاسيما أن هذه المادة لم  تحدد النتيجة الجرمية للفعل المجرمّ وعلاقة السببية التي تربط هذا الفعل  بهذه النتيجة، مما يستهض ولاية المحكمة العليا الموقرة للنظر في مدى دستورية هذه المادة ومدى مخالفتها للمبدأ الدستوري القاضي بتوافر قرينة البراءة.

رابعاً: شبهة مخالفة أحكام المادة 11 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003  والتي تنص على أنّ "1-  الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة لا تمس.

2- لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد او منعه من التنقل إلا بأمر قضائي وفقاً لأحكام القانون، ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطي، ولا يجوز الحجز أو الحبس في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون".

وحيث تجد المحكمة أن الركن المادي لهذه الجريمة يقوم  معاقبة كل يتجول في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر، ولما كان فعل التجول كما يتراءى لهذه المحكمة هو فعل غير مجرّم بطبيعته وانه هو جزء من الممارسة الاعتيادية المشروعة والمتوقعة لكل مواطن لاسيما في الأماكن العامة والشوارع العامة وفي أي وقت سواء في الليل او النهار، فإنّ المحكمة تجد أنّ هذه المادة الجرمية قد انتهكت حقّ الحرية الشخصية للمواطن بالتجول في الأماكن والشوارع العامة وفرضت قيودا غير مبررة على ممارسة المواطن لهذا الحق، لا سيما أنّ هذه المادة لم تقم على بيانٍ واضحٍ للنتيجة الجرمية المرتبطة بعلاقة سببية منطقية ومعقولة ليصار إلى فرض جزاء على كل من يتجول في الأماكن العامة.

ولما كان الأمر كذلك،  وحيث نصت المادة 118 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 على أنه" فيما لا يتعارض وأحكام هذا القانون الأساسي المعدل تظل سارية القوانين واللوائح والقرارات المعمول بها في فلسطين قبل العمل بهذا القانون إلى أن تعدل أو تلغى وفقاً للقانون." وحيث أنّ مبدأ تدرج وهرمية التشريعات يفترض أن لا يتعارض التشريع العادي مع النص الدستوري، ولما كانت الخصومة في الدعوى الدستورية عينية بطبيعتها ومناطها اختصام النص التشريعي المطعون فيه استهدافًا لمراقبة مدى دستوريته وانضباطه داخل أطر الشرعية الحاكمة على هدى من أحكام القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 باعتباره الوثيقة الدستورية النافذة، ولما كان يتعين على إثر ذلك استواء التشريعات جميعها على مرفئ هذا الدستور على قاعدة سموه، وحيث نصت المادة 27/2 من قانون المحكمة الدستورية رقم 3 لسنة 2006 على أنه "إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو مرسوم أو لائحة أو نظام أو قرار لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية"، وحيث تراءى لهذه المحكمة وجود شبهات في مخالفة نص المادة 389/5 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 لأحكام المواد 11 و20 و15 و14 من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 على الوجه الذي بيّناه آنفا، وحيث أن هذا النص المشتبه بعدم دستوريته لازم للفصل في هذه الدعوى الموضوعية، وسندا لكل ما تقدم،  وعملا بأحكام المادة 27/2 من قانون المحكمة الدستورية رقم 3 لسنة 2006 تقرر المحكمة وقف السير في هذه الدعوى، وإحالة الأوراق إلى المحكمة العليا الموقرة المأذونة مؤقتا بنظر الطعون الدستورية للفصل في المسألة الدستورية حسب الأصول، وأفهم في 3/9/2013.

الأحد، 6 أكتوبر 2013

الاختصاص الشخصي لمحاكم الأحداث في فلسطين


                                                                                                                  
                                                                                                       القاضي أحمد الأشقر


يعرّف الاختصاص القضائي بأنه سلطة أو صلاحية يمنحها القانون لمحكمة معينة أو لقاضٍ معين للنظر في نوعية محددة من القضايا والفصل فيها، وذلك إذا توافرت الشروط التي ينص عليها القانون، وبعبارة أخرى، يعني الاختصاص القضائي صلاحية مباشرة ولاية القضاء في نظر الدعوى في الحدود التي رسمها القانون، ولا يكفي توافر ولاية القضاء للقاضي فحسب، بل أن يجب أن ينعقد الاختصاص له صحيحا كي يمتلك ولاية الفصل في النزاعات المعروضة عليه، ولا تتوافر له هذه الولاية إلا في جوانب ثلاثة،  أولها أن يكون القاضي مختصا بمحاكمة شخص المتهم، وثانيها أن يكون مختصا بنظر نوع الجريمة أو الفعل، وثالثها أن يكون مختصا من حيث مكان وقوع الجريمة أو مكان إقامة المتهم أو مكان ضبطه،  هذا ما ينسحب على قاضي الأحداث، وعلى ذلك لا ينعقد الاختصاص لمحكمة الأحداث إلا بتوافر الاختصاص الشخصي والنوعي والمكاني، وفيما يتعلق بالاختصاص الشخصي نجد أن بعض التشريعات قد أخذت ضمن رؤيتها للسياسية الجنائية بمعاملة خاصة لبعض فئات المتهمين، وذلك تحقيقا للأهداف المرجوة من السياسة الجنائية في الإصلاح والتأهيل والعدالة الاجتماعية، من خلال مراعاة خصوصية ظروف هؤلاء، وتيسيرا لإجراءات محاكمتهم التي ترتبط بعوامل توجب على القانون والمحكمة اتخاذ تدابير خاصة وميسرة بشأنهم، وذلك تحقيقا لصالح المجتمع والنظام العام من جانب، وإعمالا لنظرية الدفاع الاجتماعي من جانب آخر، ومن هذه الفئات التي حظيت بمعاملة خاصة في مجال السياسية الجنائية هي فئة الأحداث، على أن بعض الانظمة التشريعية في السياسة الجنائية لقضاء الأحداث تخرج عن هذه القاعدة بأنّ تتيح للقضاء الجزائي العادي محاكمة الحدث لاسيما إذا كان مشتركا معا بالغين، وكذلك تخرج عن هذه القاعدة أيضا من خلال منح الاختصاص لقضاء الأحداث بمحاكمة بالغين في ظروف وجرائم معينة.
و يتحدد الاختصاص الشخصي لقضاء الأحداث على بصلاحيته لمحاكمة فئة محددة من الناس يطلق على أفرادها مصطلح الأحداث، ويعتبر المعيار الشخصي في اختصاص محاكم الأحداث هو المعيار الأساسي الذي يقوم عليه نظام قضاء الأحداث، الأمر الذي حدى ببعض التشريعات إلى الإشارة الجازمة أنّ محاكم الأحداث هي المختصة وحدها بمحاكمة الأحداث، حتى قيل بأن الاختصاص الشخصي لمحاكم الأحداث ذو طبيعة استئثاريه أو انفرادية، بمعنى أن قضاء الأحداث وحده المختص دون غيره بمحاكمة الحدث، ويقع باطلا أي حكم قضائي يصدر خلافا للمعيار الشخصي المُحدد لاختصاص محاكم الأحداث.
ولما كان الأمر كذلك، فإننا نجد أنّ الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث بمحاكمة الأحداث ينطوي على ضابطين أساسين، الضابط الأول هو سنّ الحدث المحدد في التشريعات السارية، والضابط الثاني ينطوي على وقت ارتكاب الفعل فيما إذا كان المتهم حدثا حينها أم لا.
وفيما يتصل بالضابط الأول، فإنّ التشريعات تعمد إلى وضع معايير زمنية للدلالة على شخص الحدث، وهي معايير زمنية عمرية تتراوح بين حد أعلى وأدنى، وعليه، فإنّ الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث ينعقد طالما كان المتهم يمثل أمام المحكمة داخل في نطاق الفئة العمرية المعتبرة للأحداث.
أما فيما يتعلق بالضابط الثاني، فيبدو جليا أن محكمة الأحداث هي المختصة بمحاكمة المتهم عن فعل مجّرم وقع منه وهو حدث، حتى وإن تمت محاكمته بعد بلوغه الرشد، وعلى هذا استقر الاجتهاد القضائي الفلسطيني، ومن ذلك ما قضت محكمة الاستئناف  المنعقدة في  رام الله  في الدعوى الجزائية رقم 227 لسنة 99 من أنه "إذا كان الفاعل عند ارتكاب الجرم حدثاً يطبق بحقه قانون الأحداث"  وكذلك مما قضت به ذات المحكمة في حكمها في الدعوى الجزائية رقم 518 لسنة 99 من "أنّ  قانون إصلاح الأحداث لسنة 1954 هو قانون خاص وضع تدابير وإجراءات وعقوبات خاصة بالأحداث خلافا لما هو وارد في قانون العقوبات لسنة 1960، فإن كان المتهم وقت ارتكابه الجريمة حدثا فيطبق عليه قانون الأحداث،" وهذا يستتبع وفق ما يرى الباحث أن تسري كاف الإجراءات المنصوص عليها في قانون الأحداث تجاه المتهم الذي ارتكب الجرم إبان كونه حدثا حتى وإن تمت محاكمته أو استمرت بعد بلوغه سن الرشد، وهذا بالضرورة يستند على أساس يقوم على فكرة أن الأحكام التي وضعها المشرع في محاكمة الأحداث ترتبط حقيقة بمراعاة الظروف الاجتماعية والواقعية التي دفعت الحدث لمقارفة الفعل الجرمي، الأمر الي يوجب أن يستفيد المتهم من الإجراءات الخاصة بمحاكمة الأحداث حتى وإن تمت محاكمته وهو بالغ.
وقد أشار التعليق العام رقم 10 في الفقرة رقم 10 إلى أنّ" إنّ الأطفال يختلفون عن الكبار في نموهم البدني والنفسي، وفي احتياجاتهم العاطفية والتعليمية، وتشكل هذه الفوارق الأساس الذي يقوم عليه التخفيف من ذنب الأطفال المخالفين للقانون، وهذه الفوارق وغيرها هي علة وجود نظام مستقل لقضاء الأحداث وتستلزم معاملة مختلفة للأطفال،"  مما يستدعي أن تطبق على الأحداث إجراءات خاصة تختلف عن تلك التي تطبق على البالغين في كل الحالات.
وجريا على ذلك، شرعت القوانين الناظمة لقضاء الأحداث بالنص على صراحة على اختصاص محكمة الأحداث وحدها دون غيرها بمحاكمة الأحداث، وهذا ما جاءت به المادة 7 من قانون إصلاح الأحداث رقم 16 لسنة 1954 النافذ في الضفة الغربية، والتي نصت على أنه "إيفاء بالغاية المقصودة من هذا القانون تعتبر المحكمة التي تنظر في التهم المسندة إلى أي حدث أنها (محكمة أحداث) ولا تعتبر كذلك إذا كان الشخص الجارية محاكمته متهماً بالاشتراك مع شخص آخر غير حدث".
وهذا أيضا ما ذهبت له المادة 3 من قانون المجرمين الأحداث لسنة 1937النافذ في قطاع غزة حين نصت على " إيفاء للغاية المقصودة من هذا القانون، تعتبر كل محكمة لدى نظرها في التهم المسندة إلى الأولاد أو الأحداث أو الفتيات، أنها محكمة أحداث، إلا إذا كان الشخص الجارية محاكمته متهماً بالاشتراك مع شخص آخر ولم يكن شريكه ولداً أو حدثاً أو فتاة."
ويبدو أن قانون إصلاح الأحداث النافذ في الضفة الغربية وقانون المجرمين الأحداث النافذ في قطاع غزة قد انتهجا ذات النهج بخصوص تحديد الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث، إلا أنهما وعلى ذات النحو أخرجا الحدث المشترك في تهم مع بالغين من نطاق الاختصاص الشخصي لمحكمة الأحداث، وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي الفلسطيني، ومنه ما قضت به محكمة الاستئناف  المنعقدة في  رام الله  في الدعوى الجزائية رقم 234 لسنة 2010 من أنّ "المحكمة لا تعتبر محكمة أحداث  طالما تمت محاكمة الحدث مع أشخاص شركاء آخرين ليسوا  أحداثا".

شكرا لمرورك

شكرا لمرورك على المدونة، يمكنك المراسلة على البريد الإلكتروني
ahmadashkar1@gmail.com